الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

461

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وفي رواية للبخاري ومسلم : فعرج ، وهو بفتح العين بمعنى صعد . وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي : حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء يقال له : باب الحفظة ، وعليه ملك يقال له إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك . وفي رواية شريك - عند البخاري أيضا - ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها ، فناداه أهل السماء الدنيا : من هذا ؟ قال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد . قالوا : وقد بعث إليه ؟ قال : نعم ، قالوا : مرحبا وأهلا ، فيستبشر به أهل السماء « 1 » ، لا يعلم أهل السماء بما يريد اللّه به في الأرض حتى يعلمهم ، أي على لسان من شاء كجبريل . ووقع في هذه الرواية أنه رأى في سماء الدنيا النيل والفرات عنصرهما . وظاهره يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى : فإذا في أصلها أربعة أنهار . ويجمع بينهما : بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا ، ومنها ينزلان إلى الأرض . ووقع في هذه الرواية أيضا : ثم مضى به في سماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر ، عليه قصور من لؤلؤ وزبرجد ، وأنه الكوثر . وهو مما استشكل من رواية شريك ، فإن الكوثر من الجنة ، والجنة فوق السماء بالسابعة . ويحتمل أن يكون تقديره : ثم مضى في السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر . ثم إن في قوله في الحديث « افتح » دلالة على أنه صادف أبواب السماء مغلقة ، والحكمة في ذلك - واللّه أعلم - التنويه بقدره - صلى اللّه عليه وسلم - ، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله ، ولو وجدها مفتوحة لم يتحرر أنها فتحت لأجله ، فلما فتحت له تحقق - صلى اللّه عليه وسلم - أن المحل مصون ، وأن فتحه له كرامة وتبجيل . وأما قوله في الحديث : « أرسل إليه ؟ » وفي رواية « بعث إليه ؟ » فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء ، وهو الأظهر لقوله : « إليه » لأن أصل بعثته قد اشتهر في الملكوت الأعلى .

--> ( 1 ) تقدمت رواية شريك أكثر من مرة .